محمد متولي الشعراوي
1829
تفسير الشعراوى
يعللوا القتل أو الموت بأسباب ، ومن الذي قال : إن القتل أو الموت يتعلق بأسباب ؟ إن الموت قضية تطرأ لإعدام الحياة ، وهي مجهولة السبب ومجهولة الزمان ومجهولة المكان ومجهولة العمر . إذن فمادامت المسألة مجهولة فلماذا ربطتم بين القتل والموقعة ؟ وهل لم تروا إنسانا مات وليس في موقعة ؟ ألم تروا إنسانا قد قتل وليس في موقعة ؟ لو أن القتل لا ينشأ إلا في مواقع قتال وحرب . لكان لكم أن تقولوا هذا ، وإنما القتل والموت قضية عامة لها واقع في حياتكم . هذا الواقع لم يرتبط بأرض ، ولم يرتبط بزمان ، ولم يرتبط بسن ، ولم يرتبط بسبب ، وإنما الموت يأتي لأنك تموت ، انتهت المسألة . إذن فهم عندما ربطوا القتل والموت بالموقعة فهم قد خرجوا عن القضية الإيمانية . ولذلك يأتي الرد من الحق بأمر واضح للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ » . فكأنك أيها الميت قد تكون أحرص على لقاء الموت من حرص الموت عليك . بدليل أننا قلنا : إن الإنسان يكون مريضا ، ويلح على أن تجرى له عملية جراحية فيعتذر الطبيب قائلا : عندي عدد كبير من الجراحات فانتظر شهرا ، فيأتي له المريض بوساطة لكي يقبل الطبيب إجراء العملية الجراحية ويلح عليه . ويعلى أجر الطبيب وقد يموت المريض . إذن فهو يلح على الموت أو لا ؟ إنه يلح على الموت . يقول الحق : « قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ » وكلمة « برز » تدل على اندفاع حركى ، فمعنى : برز من الصّف ؛ يعنى أن الصّف له التئام واقعي ، والذي يبرز إنما يقوم بحركة مخالفة للصف ، هذه حركة . « قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ » والذي يبرز إلى المضجع هو من يخرج من مكان الاستقرار ، وإلّا فكيف يكون الابتلاء لمن يقدر اللّه سبحانه أن يحملوا معركة الإسلام إلى أن تقوم الساعة إذا لم تكن هذه المسائل ؟ لابد أن يكونوا قوما قد عركتهم التجربة ، ممحصين بالأحداث حتى لا يكون مأمونا على